مدونات

قبل أن تدخل الطب.. أرجوك فكر مرتين!

مجاهد أحمد

المجتمع الذي نعيش فيه لسبب ما يقدس الأطباء، ستلاحظ ذلك منذ يومك الأول في كلية الطب، فبمجرد أن تطأ قدماك تلك الأراضي الجديدة حتى تبدأ معاملة من يحيطون بك بالتغير، لا تتفاجأ يا عزيزي سيتقدم حرف الدال اسمك وأنت لم تكمل بعد عامك الأول في الكلية، بينما ستتقدم أنت الصفوف -صفوف الصلاة والرغيف والوقود- وكل صف على هذه الأرض مدفوعاً بمن حولك فأنت “الدكتور” ولا يصح أن تنتظر!

لكنك ستدرك متأخراً جداً أن باب الكلية الذي دخلت منه إلى عالم الطب هو باب أحادي الاتجاه يسمح لك بالدخول فقط دون الخروج، ستظل عالقاً يا عزيزي في هذا العالم طيلة حياتك، وكل لحظة تمر عليك ستنمو فيها الجدران عشرات السنتمترات لتفصلك تدريجياً عن الناس وعن الحياة. يخسر المرء الكثير بمجرد دخوله إلى هذا العالم القاسي، والأمر ليس متعلقاً فقط بكم الدراسة الهائلة المطلوب منك أن تنجزها، فمع مرور الأيام والسنين لا شك أنك ستعتاد على ذلك، حتى يصبح الأمر جزءاً مملاً من روتينك اليومي، كالطعام والشراب.. مع الوقت ستتعود وستتوقف عن التذمر من كثرة الكتب والمراجع والمحاضرات التي لا تنتهي.

المزعج والقاسي حقاً في حياة الطب هو أنك في مرحلة ما من مشوارك الدراسي -الطويل والذي لن ينتهي بالمناسبة- في لحظة ما سيتوجب عليك الاختيار ما بين الطب والحياة الطبيعية..! هذا طبعاً إن كنت محظوظاً وكيًّساً كفاية لتنتبه إلى أن ثمة مفترق طرق، ولتتخذ حينها قرارك بصورة واعية، فإن اخترت المواصلة على هذا الدرب فستجد نفسك قد تركت العالم من خلفك، ستنبه لهذا الأمر متأخراً جداً بحيث لا يمكنك العودة أو تصحيح المسار، وفي مرحلة متأخرة من حياتك ستلاحظ أن البشر قد استحالوا في عينيك إلى مرضى وأصحاء ولا شيء آخر.. لا أصدقاء لا أحباء.. وستجد أن نفسك ذاتها قد تصحرت من المشاعر والأحاسيس وتبلدت تماماً بفعل الموت الكثير والآلام التي رأتها عيناك في المرضى الذين كانوا من حولك ذات يوم.

لا يعود الإنسان صالحاً للحياة الطبيعية بعد أن تخوض عيناه في مناظر الدماء ويداه في الأعضاء البشرية المتهتكة والآلام والصراخ والموت.. فكل هذه المشاعر القاسية والمشاهد الصعبة التي قد يختبرها المرء لمرة واحدة أو اثنتين في حياته كلها هي روتين الأطباء اليومي الذي يعيشونه صباح مساء..! لذا شخصياً أتمنى أن تتمكن الربوتات في يوم ما من تولي زمام مهنة الطب بالكامل حتى يتثنى للبشرية التوقف عن إلقاء فلذات أكبادها في هذا الجحيم النفسي المضني الذي لا يمكن توصيفه!

الإحصائيات في هذا المجال قاتلة بحق، إذ أن هؤلاء الطلاب المساكين -طلاب الطب- هم الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض كالضغط والسكري والسكتات القلبية المفاجئة، حوالي نصف طلاب الطب في العالم يعانون من الاكتئاب، وأحد عشر طالباً من بين كل مئة تدور في رؤوسهم أفكار انتحارية. والأطباء بشكل عام هم أصحاب الأعمار الأقصر مقارنة ببقية المهن والتخصصات الأخرى.

وإحصاءات أخرى كثيرة محملة بالكثير من الأرقام التي لا تسر، لكن رغم كل هذا لا يحق لهم “الشكية” ولا أحد ينتبه نهائياً لهذا النوع من المعاناة الي يقاسونها في كل لحظة أو تلك المقايضة اليومية لحياتهم الشخصية في سبيل المرضى وآلامهم، فقط الشيء الوحيد الماثل أمام الناس هي تلك الصورة النمطية للأطباء بصفتهم الملائكية التي لا تنام ولا تتعب ولا تخطئ، “ملائكة غنية ومرتاحين مالياً” ولا شيء آخر!

مدونات الجزيرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock