مدونات

فقدت أخي وأختي بسبب مرض اسمه السرطان

فوزي بن حديد

سبق أخي أختي إلى الآخرة بأربع سنوات رغم أنه أصغر منها بست سنوات، بل أصغرنا جميعا، اختاره الله ليسبقنا من دار الفناء، والسبب مرض السرطان، رحل أخي وترك لوعة لا توصف وحرقة في القلب ستبقى ترافقنا ما دمنا أحياء، فبعد علمه بمرضه سلم أمره لله عز وجل وجعل الشفاء بيد الله بعد أن قرر الأطباء أن حالته ميؤوس منها وأنه لا يوجد حلّ ولا طريقة للتدخل أو محاولة الشفاء فمن يصاب بهذا المرض إما أن يسلم أمره لله وإما أن يعيش حالة نفسية كئيبة طوال حياته.

وتلك عبرة لنا جميعا في أن نقوي إيماننا بالله عز وجل وأن نؤمن يقينا أن ما أصابنا ما كان ليخطئنا وما أخطأنا ما كان ليصيبنا وأن قضاء الله سبحانه وتعالى نافذ لا محالة وأن الموت حق لا يستطيع أحد من البشر أن يؤجله ثانية واحدة من الأجل المحتوم، لن يستطيع إنسان مهما بلغ من العلم علوا أن ينقذك من الأجل والموت وذلك دليل على قوة الخالق جل جلاله وقهره لعباده فهو القاهر على عباده ولكن الناس لا يعلمون.

كنت إلى جانبه في كل لحظة بعد ما سمعت بمرضه وحاولت قدر الإمكان أن أوفر له الجو الملائم حسب الإمكانات المتاحة، لم أتوقع رحيله بهذه السرعة، كان المرض شرسا وكان صبره طويلا تحمل الأوجاع بكل أناة وقوة خاصة وأنه يعيش مرحلة من أصعب المراحل، فمرة كنت قد أخذته لإجراء أشعة على بدنه بالكامل استقبلني الطبيب بكل جرأة وبعد أن قرأ ملفه حدثني أن حالة أخيك في مراحلها الأخيرة ولا حاجة لعمل مثل هذه الأشعة خوفا عليه من أن يتعب أكثر، أصبت بإحباط ولا أخفي عليكم أنني بكيت في تلك اللحظة الحرجة ولكني بعد فترة تمالكت نفسي وقلت إن الطبيب لا يعلم الغيب وأنه مجرد إنسان يجتهد فيخطئ ويصيب وإنني متفائل رغم حالته الصعبة جدا فلم أستسلم وحاولت أن أجد طريقة ملائمة لإنقاذ أخي مما هو فيه أو على الأقل تخفيف الآلام والأوجاع واجتهدت في ذلك كما اجتهد الطبيب ولكن الأجل إذا جاء لا يتأخر ولا يتقدم إنما الأمر كله لله.

بعد يومين من ابتعادي عنه للعمل جاءني الخبر الفاصل فجر يوم الاثنين الخامس من مارس 2012 عبر مكالمة هاتفية نزلت علي كالصاعقة مفادها أن أخاك قد توفي، فحزنت جدا لفراقه لأنه ترك مكانا فارغا في العائلة وفرحت لأنه مات على طاعة ونطق بالشهادتين قبل فراقه وناداني ثلاث مرات حاولت أن أعرف ماذا يريد مني لكنه لم يتكلم وكأنه كان على موعد مع الموت وانتقل إلى حياة أخرى أتمنى أن يكون في عليين مع الصديقين والشهداء. لم أستطع أن أحضر الجنازة رغم زياراتي المتكررة له بحكم أني أعمل في بلد آخر بعيد عنه ولكن كان هناك نوع من الارتياح لأنه توفي وقد أكملنا كافة الإجراءات المتعلقة به حسب استطاعتنا والله الموفق.

أما أختي فاسمها حياة، غير أنّها لم تنعم بالحياة إلا قليلا، قذف بها الموت سريعا إلى بحر الآخرة، لم يمهلها إلا قليلا، أبى إلا أن يحاصرها وهي في عمر الشباب الوقّاد، وقبله كان المرض ينهش جسدها من كل جانب، قاومت المرض بكل قوّة وعزيمة إلا أن قدر الله كان أقوى، فامتثل الجسد لأمر الله عز وجل، وبقي خاويا على عروشه مدة من الزمن، إلى أن فاضت روحها إلى بارئها مستسلمة راضية مرضيّة، “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي”.

وقبل موتها، دعوت الله عز وجل ليلا ونهارا، سرّا وجهارا، أن يشفيها من مرضها، لطفا بابنها الذي يحتاج إلى رعايتها، ولطفا بأمها التي فقدت أصغر أبنائها قبلها، ولطفا بأخيها الذي صار وحيدا بين أختيه، ولطفا بأختيها اللتين تألمتا لفراقها، نذرت المولى إن هي شفيت أو ظهرت عليها بوادر شفاء، غير أن هذا كله لم يشفع لأختي أن تبقى، لأنه الأجل الذي لا يتأخّر مهما قدّم الإنسان من قربان، الأجل الذي إذا جاء لا يتأخر مهما تقرّب الإنسان للرحمان، ويبقى الإنسان ضعيفا مقهورا وهو يرى عزيزا أمامه يموت ويفقده.

إنها الأخت التي إذا احتجتُ إليها تساعدني، وإذا مرضتُ تسأل عنّي، وإذا ضاقت بي الأمور تواسيني، وإذا لم أحادثها هاتفيّا بادرت بمحادثتي، وإذا زرتُها رحّبت بي وبعائلتي، وإذا سافرت كانت آخر مودّعيّ، وإذا اشتهيتُ شيئا طبختهُ لي، كانت السّند الكبير والدبلوماسيّة المحنكة في العائلة تطفئ لهيب الخلافات، وتتصرّف كما لو أنها العقل المدبر في الحكايات، تعاظَم دورها في الحياة وهي المسمّاة حياة، اشتق اسمها من الحياة نفسها، ولم يبق اليوم إلا هو، عظيمة هي الأخت بهذه المواصفات.

إنها الأمّ التي تعتني بأولادها، تُربّيهم، تُنشئهم على الأخلاق الفاضلة، توجّههم إلى احترام الآخر مهما كان كبيرا أم صغيرا، تعتني بأدقّ تفاصيلهم، كان أصغرهم أقربهم إليها لأنه يحتاج بشدة إليها، وهي لا تقول كلمة أفّ على لسانها، تقوم بجميع أعمالها وتستمتع بذلك، وكأنها خلقت لها، ورغم مرضها وألمها وأحزانها ظلت صامدة في وجه كل العقبات من أجل الآخرين، تقدّم كل ما لديها وتعتبر ذلك واجبا عليها، تحنو على أطفالها وتعلّمهم العزيمة والإصرار على التحمّل من أجل الحياة ومن أجل غد أفضل.

إنها الزوجة المطيعة المخلصة التي أثنى عليها زوجها في حياتها وازداد ثناؤه بعد مماتها، بعد أن شعر أنه خسر زوجة رائعة بكل المقاييس وهو الذي يرجع متعبا من العمل إلى بيته ويجد الراحة بأتمّ معانيها، من طعام شهيّ وذي تصنيف بديع، وملابس نظيفة ومهيّأة، وغرفة مريحة للاستلقاء، حكى لي زوجها أنه يفتقدها بشدّة، وأنه لا يدري كيف سيواصل حياته دون حياة، واسيتُه وهو يبكي حرقة على فراقها، وهي التي كانت تكفيه مؤونة البيت من الدقيق إلى الثقيل.

هي رحلة الموت التي لا تنتهي إلا بانتهاء الدنيا، رحل أخي قبلها بأربع سنوات وشهرين وأربعة أيام، وها هي اليوم تفترش الموت وترحل عنّا، وكأن الموت بات يحاصرني ويدعوني للاستعداد للرحيل، رحم الله أختي وقبلها أخي رحمة واسعة وأسكنهما فراديس جنانه وأسبغ عليهما من رحمته ونعمه، وجعل قبريهما روضة من رياض الجنة، إنا لله وإنا إليه راجعون، وأبعد الله عنكم كل مكروه.

مدونات الجزيرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock