مدونات

الكوليرا الحرب الأخرى في اليمن!

مالك عبده اليوسفي

إسهال حاد ثم تقيؤ ثم جفاف، وقد يصل الحال إلى خلل في عمل الكلى مما يؤدي إلى فشل كلوي، فتصيب المريض صدمة ينتج عنها الموت، إنها أعراض الكوليرا، الأسرع في قتل الإنسان اليمني. بداية ظهور هذا المرض في عام 1816 في ولاية البنغال في الهند، كان في ذلك الوقت محدودًا لم يمر الكثير من الوقت حتى بدأ في الانتشار بجميع أنحاء الهند. وفي مرور أربعة أعوام من ظهوره قتل حوالي 10000 شخص من القوات البريطانية وعددًا لا يحصى من الهنود. وها هو يأت إلينا بعد عقدين من الزمان.

لم يأت المرض نتيجة الصدفة أو العبث كان السبب الرئيس هو تلوث الأنهار نتيجة الحرب مما ساعد على نمو جرثومة “ضمة الكوليرا” وسرعان ما انتشرت. واجه العالم سبع موجات لانتشار الوباء حتى عام 1970، لقد حصد أرواح الملايين. ومن عام 2000 إلى 2009 عادت موجة وباء الكوليرا من جديد وكانت في أفريقيا والهند والعراق وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وفي عام 2016 جاء إلى اليمن يحمل معه الموت للكثير، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن نحن عاجزون على مواجهته.

وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2016 بدأت حالة التفشي تنتشر في الكثير من المحافظات اليمنية، خلال شهور قليلة وصل عدد الضحايا إلى أكثر من عشرة آلاف مواطن حسب تقرير اليونيسف، كانت ولا تزال المستشفيات الحكومية والأهلية في اليمن عاجزة عن مقاومة المرض، خاصةً في هذا الوقت العصيب، زمن العجز الحقيقي زمن اللادولة، زمن اللاقيمة للإنسان، بالإضافة إلى جهل الكثيرين حول الوقاية الصحية من المرضى لاسيما أبناء القرى وهم الأكثر عرضةً والأكثر جهلًا من ناحية الوقاية والأكثر تهميش من الناحية الصحية، ففي المدن وخاصةً الرئيسية قد تجد بعض الاهتمام هناك من المنظمات الدولية أو بعض المراكز الطبية التي لا زالت تعمل، أما في القرى لن تجد سوى الموت يرافقه إيمان أصحابها بحتمية الموت وإتمام العمر الذي لم يكتمل بعد. ثم بدأ المرض بالاختفاء تدريجيًا ثم عاد بموجة أكثر عنفًا في جميع أنحاء اليمن في 2017 وصل عدد الضحايا إلى نصف مليون مواطن حسب تقرير نشرته قناة BBC.

وها هي تأتي الموجة الثالثة ولا تزال الحرب قائمة ولا يزال التهميش وعدم احترام الإنسان موجود، ولا زلنا غير قادرين على مواجهة المرض والحرب والموت، ويبدو أنها الأشد جاءت تحمل معها الموت ومخاوف الكثير وجهل الكثير حول الوقاية من هذه الكارثة، في غضون أقل من شهر اجتاح الوباء الكثير من المدن والكثير من القرى، ولا تزال الحكومة أو بالأصح الحكومات المتنازعة عاجزة عن حماية المواطنين، كيف لها أن تحمي من تقتلهم منذُ خمسة أعوام؟

نحن عاجزون عن الوقوف ضد الحرب دعونا نقف ولو لمرة واحدة ضد الموت الآخر، ضد الكوليرا، الموت الأسرع، ولنكن أكثر جدية، وأكثر أيمانًا بقيمة هذا الإنسان الذي لا يهتم لا أجله أحدًا، لترين من الماء وملعقة من السكر وأخرى من ملح الطعام، وشرب الكثير من السوائل، هذه الوصف كفيلة بأن تأجل موت حياة إنسان، غسل كل الأطعمة قبل آكلها وتعقيم المياه بالكلور وصف أخرى كفيلة بأن تقيي إنسان أخرى من المرض.

ثمة أخبار كثيرة في بعض المناطق اليمنية تقول أن المرض جاء بفعل فاعل، فهناك من يقول أنه من صنع أمريكا وآخر يقول أنه من صنع السعودية، لكنني لا أجد تفسيرًا لهذه الأخبار الساخرة للعقل أو بالأصح المسلمة لواقع المرض والمبررة لعجز من نشرها عن مقاومتها. يجهل الكثير أن جيمس بولك الرئيس الحادي عشر للولايات الأمريكية مات متأثرًا بهذا المرض، وأن هذا المرض قد حصد أروح الكثيرين في السعودية قبل قرنين، وأنه انتشر في اليمن منذُ حكم الأئمة منذُ أكثر من سبعين عامًا.

لا أبرر لأحد ولكنني كلما أريد أن أقوله: هو أن تلوث الهواء والمياه والخضار هو السبب الرئيس، وأن النظافة هي الوقاية الناجحة من هذا المرض، إغلاق المطاعم أو منعهم من تقديم بعض الأكلات ليس الحل بالتأكيد، الحل هو منع مزارع الخضار والفواكه الواقعة خارج صنعاء والتي لا تزال حتى اليوم هذا تستخدم مياه الصرف الصحي ومياه مجاري صنعاء في ري هذه المزارع، كم أعجب على هذا التغافل تجاه هؤلاء الناس.

نقلا عن (مدونات الجزيرة)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock