مدونات

الطِّبُّ المَوْصوم

سجى الخضور

كنت صغيرة جداً على فهم ما يجري في ذلك المكان، من هم قاطنوه؟ لماذا يتصرفون كذلك؟ الكثير من المسلسلات، ولا أذكر أحدها على وجه التحديد، استخدم بعض ممثليها تهديداً أو استهزاءً كلمة “العصفورية”، وأخبرتني أمي وقتها بأن ذلك مستشفى “المجانين” في سوريا. ولم يختلف الأمر عندنا سوى باسم المكان “الدهيشة”.

إنه مكان للبشر الأغراب، وعادة يُساق لتخويف الأطفال، أو الاستهزاء بأحدهم إن صدر منه موقف ما غير مفهوم أو غير مقبول. الأدهى من ذلك كان تصور صفة الطبيب النفسي. ففي خيال كل واحد منا ودون كبح عنان الخيال الطفولي المبني على الخرافات، فقد تمثلت صورته في رجل ذي شعر أشعث، لا يعرف ثغره كيف يبتسم، شديد اللهجة، غليظ التصرف! فما الذي أصاب عقولنا حتى انتهت بتلك الاستنتاجات السخيفة؟ من أي زاوية تعلمنا أن نستطلع عالم البشر؟ ومن نحن حتى نحكم تلك الأحكام؟

إن التراجع الذي أصاب حضارتنا بعد أيام ازدهارها كان آفة أصابت شتى أنواع المعارف والعلوم وطريقة التفكير وفهم مجريات الأمور، وبحكم أن الأمراض النفسية والعقلية هي أمراض غير ظاهرة للعين، فقد تسبب هذا التراجع في فهم مقصور أو معدوم لطبيعة النفس البشرية وما يصيبها، بل وانتقاص حقوقها.

يذكر الدكتور طارق الحبيب في كتابه “العلاج النفسي والعلاج بالقرآن” نبذة عن تاريخ الطب النفسي في بلاد المسلمين، وينقل ما قاله الدكتور جورج مورا عن ذلك “لقد كان موقف العرب أكثر إنسانية نحو المرضى العقليين، مما أحدث شيئا من التأثير في نظرة دولة أوروبا الغربية تجاه المرضى العقليين….. إضافة إلى ذلك، فلقد أسست العديد من المستشفيات العقلية في بغداد في القرن الثامن الميلادي، وفي دمشق في القرن التاسع الميلادي، وفي القاهرة في القرن الثالث عشر. كما وصف المؤرخ (إيفيلجا) بالتفصيل جو الاسترخاء في تلك المراكز العلاجية المحاطة بالنوافير الساحرة والحدائق الغناء، ووصف كذلك الطرق العلاجية التي تشمل وجبات خاصة وحمامات وأدوية وعطور”.

ويتحدث أيضاً عن علماء الحضارة الإسلامية مثل الكندي، والرازي، والغزالي، وابن تيمية، وابن قيم الجوزية وغيرهم ممن سبقوا في نظرياتهم حول السلوك الإنساني والعلاج النفسي وأهميته في تغيير أفكار الفرد ومعتقداته السلبية والخاطئة رواد المدرسة الحديثة. ونظروا في ذلك نظرة عقلانية ودينية في آن واحد. في تلك الفترة، يذكر الدكتور طارق أن بعض الدول الأوروبية كانت تحرق المرضى النفسانيين ظناً أن الشياطين قد تلبستهم.

ولكن، وكما الشأن في مختلف المعارف، فقد تدهور علم النفس كما يصف الدكتور سليم عمار وعاد لينحل في بحر الشعوذة والدجل في أواخر القرن السادس عشر الميلادي في عهد الدولة العثمانية. ويرى الدكتور طارق الحبيب أنه في العشرين سنة الأخيرة بدأ الطب النفسي في العالم الإسلامي يأخذ موقعه من جديد على يد بعض العلماء والأطباء، ولكنها ما زالت جهوداً متواضعة لأسباب عدة.

في العالم الغربي اليوم، وبعد أن نهضوا بالنفس البشرية نهضة ساهمت كثيراً في تسليط الضوء على انتشار الأمراض النفسية والعقلية وأهمية التوعية والعلاج، فقد تجاوز عدد الأطباء النفسيين ثمانية أطباء لكل 100000 نسمة، بينما في مجتمعاتنا العربية فلا يزيد في أكثرها تقدماً عن ثلاثة. ولديهم من مؤسسات الرعاية ومراكز البحث في ماهية الأمراض وحقيقة أسبابها وسبل علاجها أعداداً كبيرة.

كما اهتموا كثيرا وما زالوا في نشر التوعية والتثقيف النفسي بين الناس، ومن ذلك إنتاج الكثير من الأفلام التي تتناول الأمراض والحالات النفسية والعقلية هادفين إلى إيصال فهم عميق لها بين مواطنيهم، وفيلم “عقل جميل” شاهد على ذلك، فقد تناول قصة العالم (جون ناش) الذي حصل على جائزة نوبل في الاقتصاد رغم إصابته بمرض الفصام (السكيزوفرينيا). الكثير من عظماء العالم أيضاً كانوا مصابين بأحد تلك الأمراض، ولأنهم وُجدوا في بيئة تعترف بهذه الأمراض وتعتني بأصحابها، فقد آمنوا بأنفسهم وتحدوا ما هم فيه فتقدموا وقدموا. وهنا أتساءل! أليس بين الكثير من مرضى النفس والعقل في مجتمعاتنا من يستحقون النهوض بهم ليقدموا ما عندهم مما خلقهم الله له؟

إن الدارس لعلم النفس وطبه ولو دراسة سطحية، سيكشف على الأقل عن عمق ذلك العلم وحجم إهماله الذي تجاوز ذلك العمق، وسيعلم مدى انتشار الحالات والأمراض النفسية المدمرة أحياناً، ويدرك أن أهمية انتشار ثقافة الاهتمام بالنفس البشرية لا تقل أبداً عن الاهتمام بالجسد، بل تزيد! وسيدرك الحاجة المتزايدة إلى الطب النفسي طردياً مع التطور التكنولوجي الذي غزا العالم، فانفتاح البشر على بعضهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي غدا عنصراً رئيساً في انغماس الناس بالمقارنات والسعي نحو المظاهر والشهوات. وفي دنيا لا يستطيع الكثيرون تحقيق ما يرون ويسمعون، فإن الاكتئاب سيسود الموقف!

فمتى نصل إلى فهم واعٍ مُطبَّقٍ أن الإنسان جسد ونفس، يعتري النفس كما يعتري الجسد ضروب من العلل، وعلل النفس أكثر إيلاماً ووقعاً على الجسد من علة الجسد عليه؟ متى نصل إلى مرحلة نعترف فيها جميعاً بأهمية مداواة النفس والعقل حتى نرقى بالإنسان؟ إلى مرحلة نتعامل فيها مع المريض النفسي كأي إنسان آخر يعاني ألماً وبحاجة إلى التطبب والعناية؟ فلا نضعه بين أنياب الشعوذة ونلقي عليه “نحن كثيرو الإيمان” تهمة ضعف إيمانه؟ متى سنتقبل أن الإدمان مرض يجب علاجه والوقوف بجانب المريض حتى يصل إلى استقرار في نفسه وبيته؟

متى ستستطيع المرأة المتعبة نفسياً قهر مرضها ومجاراة حياتها دون أن تفقد حقها في حياة كريمة، دون أن تحرم من الزواج أو الأبناء بدعوى أنها “مجنونة”؟ متى سنحمي روحها من الانتحار؟ متى سننتبه أن اضطرابات الأطفال النفسية منتشرة كثيراً وعلاجها سيجنبهم كثيراً من علل أيامهم القادمة؟ متى ستصبح الدعوة إلى دراسة علوم النفس وطبها دعوة متقبلة مرحباً بها، ونصيحة المريض النفسي بزيارة عيادة أو مستشفى الطب النفسي أمراً سلساً لا حرج فيه؟

مدونات الجزيرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock