مدونات

الأمراض تقتل من اليمنيين أضعاف ما تقتله الرصاص والقنابل!

بلال الشقاقي

في وقت متأخر من الليل فوجئت باتصال من صديق يخبرني فيه أن ابنته الصغيرة أصابها تشنج وحمى شديدة، قمت فوراً وذهبت إليه وأخذناها إلى إحدى المستشفيات الحكومية القريبة وللمصادفة الحسنة كان مستشفى خاص بالأمومة والطفولة، أو هذا ما اعتقدناه، وصلنا إلى قسم الطوارئ ووضعنا الطفلة على إحدى الأسرّة القليلة المتوفرة في المشفى، بعد أن أجرى الطبيب المناوب الكشف الأولي طلب منا الذهاب إلى خارج المستشفى لجلب أبر ومغذيات ومستلزمات أخرى أساسية، لأن المستشفى لا يوجد فيه أي أدوية أو مستلزمات طبية، حتى الأساسية منها، بعد أن وفرنا الأدوية التي طلبها من الخارج، أخذ عينة دم لفحصها والمفاجئة أنه طلب منا أيضاً الذهاب إلى مختبر خارج المشفى لأن هذا الفحص لا يجريه مختبر المشفى!

وأنا في طريق عودتي من المختبر خارج المشفى وتحديد في مدخل الطوارئ قابلت رجل قام بإسعاف زوجته التي على وشك الولادة، وأخبرني عن المعاناة التي عاناها في هذا المستشفى، أخبرني إن زوجته وضعت توأم، ولد وبنت، لكن بسبب نقص الأدوية وسوء الخدمات الصحية المقدمة في هذا المستشفى فقد أحد هؤلاء التوأم، والطفل الذي ما زال على قيد الحياة يلزمه دواء وإلا سيصاب بإعاقة دائمة، وهذا الدواء غالي الثمن بالنسبة لحالته المادية ولا يستطيع تحمل تكلفته، والأم كذلك حالتها غير مستقرة ومعرضة في أي لحظة لخطر الوفاة ولا يستطيع نقلها إلى أحد المستشفيات الخاصة بسبب التكلفة العالية التي لا يستطيع أيضاً تحملها.

هذه الأم وابنها حالة واحدة من آلاف الأمهات والأطفال حديثي الولادة الذين يموتون يومياً في اليمن لأسباب يمكن تجنبها بكل سهوله. وهو ما أكدته منظمة اليونيسيف في أحد تقاريرها “أنه في عام 2016 فقد اليمن 4 آلاف و272 أما، و23 ألف طفل حديث الولادة، لأسباب يمكن الوقاية منها”. تجدر الإشارة أن هذا المشفى هو واحد من المستشفيات التي تقوم منظمة اليونيسيف بدعمه!

تعاني معظم المستشفيات والمراكز الصحية في اليمن من نقص حاد في الأدوية الضرورية والمستلزمات الطبية الأساسية، إضافة إلى نقص كبير في عدد الكوادر الطبية. لقد تسبب الصراع في اليمن بحصول أسوأ أزمة إنسانية في العالم، أزمة طالت البلد بأكمله.

ذكرت تقارير نشرتها منظمات الأمم المتحدة أن نحو 75 في المائة من سكان اليمن بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بما في ذلك 11.3 مليون طفل لا يمكنهم البقاء على قيد الحياة بدونها. وإشارة إلى أن هناك 60 في المائة على الأقل من اليمنيين الآن يعانون من انعدام الأمن الغذائي فضلاً عن 16 مليون شخص لا يمكنهم الحصول على مياه آمنة للشرب ومرافق صحية مناسبة. ويفتقر كثيرين غيرهم إلى الخدمات الصحية الأساسية.

وأكدت على أن أكثر من نصف المرافق الصحية في اليمن لا تستطيع العمل بكامل طاقتها وأن عدد كبيراً من الموظفين العاملين في الحقل الصحي لم يتقاضوا رواتبهم طوال أشهر.

منذ أكثر من أربع سنوات والشعب اليمني يخوض حروباً في أكثر من معركة، فهم يقاتلون من أجل الحفاظ على حياتهم ليس فقط ضد النزاعات المسلحة وإنما ضد الظروف الصحية السيئة، وهذه الأخيرة هي الحرب الفتاكة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالكثير من اليمنيين يعانون ويموتون في صمت بسبب الأمراض المزمنة وسوء التغذية وحتى الأمراض التي يمكن الوقاية منها، هذه الأمراض كانت السبب في قتل العديد من اليمنيين أكثر مما تسببت به الرصاص والقنابل.

فبحسب منظمة الصحة العالمية “تعد الأمراض المزمنة مسئولة عن 39 بالمئة من إجمالي الوفيات، حيث لا يتوفر لدى المرضى إمكانية الوصول إلى الأدوية التي يحتاجون إليها للبقاء على قيد الحياة. ولا يتوفر العلاج للأمراض المزمنة مثل السرطان والسكري وارتفاع ضغط الدم، في أكثر من 80 بالمئة من المرافق الصحية في اليمن”. وبحسب الصليب الأحمر الدولي، فإن واحد من كل أربعة مرضى يموتون بسبب ضعف الرعاية الصحية في اليمن.

سالم حسن ترك منزله في محافظة تعز بعد اشتداد المعارك فيها وتهدم جزء كبير من منزله، الذي اضطره إلى النزوح إلى صنعاء، يعيش الآن هو وزوجته وطفليه في دكان، غرفة واحدة في أحد أركانها المطبخ والركن الآخر الحمام، سالم مصاب بمرض الفشل الكلوي المزمن، يحتاج سالم وغيره من مرضى الفشل الكلوي إلى علاج منتظم للبقاء على قيد الحياة، والذي يتضمن عادة جلستين أسبوعياً.

فضلًا عن الأدوية الأخرى الأساسية الذي يحتاجونها للحفاظ على نظامهم المناعي. ولسوء الحظ فإن القتال المستمر في اليمن أدى إلى تراجع كبير في أداء المراكز الصحية، إضافة إلى الصعوبة في الحصول على الأدوية اللازمة. وصلت نسبة الوفيات بين مرضى الفشل الكلوي إلى 25 بالمئة، نتيجة نقص أو غياب الخدمات الصحية.

ويواجه مرضى الفشل الكلوي الذين يبلغ عددهم حوالي 5200 مريض، بحسب منظمة الصحة العالمية، خطر الموت المستمر بسبب النقص الشديد في إمدادات غسيل الكلى التي لا تكفي البتة لتغطية احتياج 700 ألف جلسة غسيل سنوياً. ويستمر النزاع الدائر اليوم في مفاقمة الوضع الصحي، حيث تم إغلاق 4 مراكز من أصل 32 مركزاً في البلاد، تاركاً بقية المراكز تعاني من نقص حاد في المعدات والإمدادات.

فبسبب تضرر عدد كبير من مراكز غسيل الكلى نتيجة النزاع الدائر حالياً في البلاد لم يعد يعمل إلا 28 مركز غسيل كلى في كامل محافظات اليمن، نتيجة لذلك، تقلص وقت العلاج اللازم الذي كان يقضيه مرضى الفشل الكلوي على جهاز غسيل الكلى إلى نصف الوقت تقريباً.

ويعد وضع مرضى السرطان في اليمن هو الأكثر إيلاماً، حيث أن معاناتهم ممتدة حتى من قبل هذه الحرب، فهم يعانون من العجز الكبير في تحمل تكلفة العلاج العالية جداً بالنسبة لوضعهم المادي. ولا يزال حوالي 30 ألف مريض بالسرطان، ١٢ بالمئة منهم من الأطفال، بحاجه إلى علاج فعال (بمعالجة كيميائية أو علاج إشعاعي أو علاج مسكن)، بحسب منظمة الصحة العالمية.

نيفيو زاغاريا، القائم بأعمال ممثل منظمة الصحة العالمية في اليمن ذكر أن 45 بالمئة من المرافق الصحية فقط هي التي لا زالت تعمل بكامل طاقتها، بينما 38 بالمئة من المرافق الصحية تعمل جزئياً، فيما توقف العمل تماماً في 17 بالمئة من هذه المرافق. وأكد تعرض حوالي 274 مرفقاً صحياً للضرر أو التدمير خلال الصراع الجاري. وأشار إلى أن العديد من الكوادر الطبية عالية التخصص مثل أخصائيو وحدة العناية المركزة والأطباء النفسيين وأطقم التمريض الأجنبية قد غادرت اليمن بسبب الحرب والوضع الامني والاقتصادي غير المستقر.

في أقل من سنتين سُجلت أكثر من 7600 حالة وفاة وما يقرب من 42000 حالة إصابة، وبات النظام الصحي في اليمن أحد ضحايا هذه الحرب المستمرة. وأنا اكتب هذه الكلمات لا أدري كم من اليمنيين أضيف إلى تعداد الوفيات بسبب أمراض لم تعد تشكل أي خطر يذكر في كل بلدان العالم.

ويبقى السؤال المطروح دائماً وأبداً، متى تنتهي هذه الحرب، لتنتهي معها معاناة الشعب اليمني، ويتوقف الصراع الذي تسبب بكل هذه المآسي.

مدونات الجزيرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock