مدونات

هل تحولت وظيفة الطب الإنسانية إلى مهنة تجارية خطيرة؟

محمود النجار

وجوهُ شاحبة قلقة، مشاعر غريبة بالوحدة، صمتٌ طويل وسط فوضى الأصوات، روائح خانقة، صرخات بسبب الألم، توسلٌ بالسكرتير و”صفناتٌ مجهولة” ثم انتظار لـ 12 ساعة بلا اكتراث لأوجاع البشر.. وهناك بعيداً حوارات بسيطة مليئة بحكايات حزينة وعبارات مدججة بمتاعب الحياة، ثم يرافق تلك الأجواء ورقة صغيرة مكتوب فيها 25 ألف دينار عراقي، أي ما يعادل 20 دولار أمريكي أجرة معاينة طبيب يصاحبها 100 دولار فحوصات، ويلاحقها أخيراً 200 دولار أدوية وعلاجات، والله في عون الذين سيصدمون بعملية جراحية ربما تحتاج إلى 5000 دولار، هذه باختصار عناصر البيئة الطبية في العراق العظيم.

أخرجت القلم والورقة وبدأت أراقب ملامح المرضى، كل شيء في وجوههم يحكي قصة مختلفة عن المعاناة، يحدقون نحوي باستغراب، وربما يقولون ماذا يفعل هذا “البطران” أو “المرتاح”، ولا يعلمون أن أبي وأمي يعيشون مع أمراضهم طيلة 10 سنوات، وأن أكثر مكان أزوره هو المستشفيات ومجمعات الأطباء، حتى أن أمي تحولت إلى استشارية طبية وصيدلانية ماهرة.

طبيب ناجح ولكن!
ارتفاع الأجور أصبحت ظاهرة غير أخلاقية، فالطبيب يتنافس مع أقرانه على رفع معدلات المعاينة ليتفاخر بعدد ساعات انتظار المريض، ويتعالى بالمبالغ الكبيرة التي أثقلت كاهل المحتاجين للعلاج، إذ يتحدث معهم في المقابلة بلغة استعلائية تزيد من مشاكل المريض نفسياً، والطبيب يعتبر نفسه المنقذ الأبدي وهنا تصح العبارة “لا حاجة للخبرة والذكاء ولا معنى للشهادات دونما قيم إنسانية”. لكن من يسمع أنين المرضى وهل يستطيع الطبيب تخيل وجه المريض بوجه أمه أو زوجته أو ابنه؟، عارٌ سيوضع على جبهة كل من يستغل جراح الناس من أجل مصالحه، والدنيا دوارة لمن لا يراجع تصرفاته، والحياة ستصفع بعدالتها أولئك الذين تسببوا في تعميق آهات البشر.

طبيب أم سوبرمان؟
لدى مراجعتك بعض الأطباء تجد أن أمامك في صالة الانتظار أكثر من 20 أو 30 مريض ينتظرون دورهم في الدخول إلى غرفة الكشف وهنا تصدم بأن الطبيب يستقبل 3 حالات في كل عملية دخول لغرفة الكشف، وهذا الأمر يربك الطبيب بالتأكيد ويفقده تركيزه، بل وبعض الأطباء يستقبل يومياً أكثر من 80 حالة، وهذه ظاهرة خطيرة تهدد حياة المواطن، فبعملية حسابية بسيطة إذا ما افترضنا أن معدل الفحص لكل حالة يستغرق 10 دقائق فقط فهذا يعني أن الطبيب بحاجة 800 دقيقة أي ما يعادل 13 ساعة تقريباً!

ولا ننسى إضافة ساعات الدوام الرسمي في الصباح في المستشفيات الحكومية والأهلية، ولنفترض أنه سيتواجد في المستشفى لـ 4 ساعات فهذا يعني أنه يعمل يومياً حوالي 17 ساعة مقابل 8 ساعات ينام فيها ويأكل ويشرب ويمارس فيها حياته الطبيعية، فهل يستطيع وفق هذه المعادلة الزمنية البسيطة أن يخدم المريض وأن يكون عاملا ًمساعداً على التخفيف من آلامه… هل تظنون ذلك؟

صفقات تجارية
كثير من الأطباء يتعاملون بطريقة تجارية خالصة مع مندوبي الأدوية، فيسلكون طريق الاحتيال والنصب مستغلين حوائج الناس، والطبيب يتقاسم مع المندوبين نسب الأرباح، ويروج الطبيب بعد المعاينة لمالك المجمع الطبي كي يسوق أدويته، علماً أن المالك يفتح صيدلية كبيرة يحتكر فيها نوع معين من الأدوية فيبيعها بسعر خيالي باهض وسط اتفاق مسبق مع الطبيب الذي يدعي أن الدواء المستخدم لعلاج المريض “أصلي” ولا يتوفر إلا عند تلك الصيدلية التي يملكها صاحب المجمع الطبي، وهناك طريقة حديثة في السمسرة الطبية وهي حصول الطبيب على رحلات خارجية ترفيهية أو تحت مسمى المؤتمرات الطبية مقابل ترويج الدواء المراد تحقيق الأرباح من خلاله، فتستمر الصفقة التجارية وتجبر المريض على القرض وتحمل الديون ليعيش يوماً جديداً بلا ألم جسدي ومع حيرة نفسية تمنعه من الشفاء.

القانون يحمي المخربين
ما أوقح حكومتنا التي تنشأ المستشفيات الأهلية وتدمر المستشفيات الحكومية بطريقة غير مباشرة تدريجياً، والسبب باختصار هو الحفاظ على مصالح مالكي تلك المستشفيات الأهلية لأنهم من السياسيين وأصحاب القرار أو ممن لديهم علاقات تجارية نصفية ضمن مشاريع غسيل الأموال أو مشاريع تجارية بحتة، إذ يتعاملون مع أشخاص كي يديروا أموالهم وهذا يعطيهم الحق بتوسيع أرصدتهم المالية تحت غطاء الخدمة الصحية، ثم يطالبون بشعارات زائفة في البرلمان العراقي تحت رايات حقوق الإنسان، وفي الجانب الأخر يهملون المستشفيات الحكومية وينسبون ذاك الفشل الصحي بعدم وجود ميزانية كافية لتمويل المستشفيات الحكومية بسبب الحروب والأزمة الاقتصادية، علماً أن ميزانية وزارة الصحة في عام 2015 كانت أكثر من 5 تريليون و500 مليار دينار عراقي أي ما يعادل 4.6 مليار دولار أميركي، وانخفضت الميزانية في عام 2018 لتصل إلى ما يقارب تريليون دينار عراقي أي ما يعادل 840 مليون دولار أميركي فقط، وسط مطالب بزيادة 600 مليار دينار عراقي لسد الحاجة، فلماذا تنخفض ميزانية الصحة وتزداد المشاريع التجارية وخطط التسليح العسكري؟

واقع المستشفيات الحكومية
هذه المؤشرات تعكس تناقض خطير يجعل الحكومة في ورطة إنسانية كبيرة على المدى المستقبلي. فتتصاعد أعداد الموتى في المستشفيات الحكومية مقارنةً بالمستشفيات الأهلية، وندرك جيداً أن الأعمار بيد الله، لكن هناك أسباب ومسببات يتم قياس الحالات المرضية بنسب معينة واقعية، فالمستشفيات الحكومية تفتقر إلى الأجهزة الطبية الحديثة وينقصها كوادر طبية احترافية، وتفتقر أيضاً لمعايير النظافة والاستدامة، وتقل فيها الأدوية الضرورية ومختبرات التحليل والكشف، والكارثة أن القانون هو من يُشرع التسعيرات الطبية ويمرر الأدوية من الجمارك ويحمي التجارة الطبية.

موقف المنظمات الدولية الإنسانية
عندما يتحول مصير الفقراء إلى تجارة ضخمة تدار فيها الأموال على حساب أرواح البشر سيؤدي ذلك إلى خرق لمبادئ حقوق الإنسان، خصوصاً إذا كانت الدولة متواطئة في هذا الملف، علماً أن المنظمات الدولية تغفل عن الجانب الصحي وتعتبره من المشاريع الإضافية، فلا يوجد برامج توعوية للأمراض، وإن وجدت فلا تتعدى نشاطات التبرع بالدم وإقامة المهرجانات والمؤتمرات، فتصرف أموال طائلة لتفتعل “Show” فقط، وتبتعد عن دورها الإنساني الدولي في تغيير الواقع الصحي بشكل ملموس، إضافةً لتنازلها عن مسؤوليتها الاجتماعية بالتأثير على القوانين والأنظمة الصحية السائدة في الدول التي تعمل فيها، فهي تغمض عينيها عن الممارسات التجارية وتدعو لصيانة حقوق الإنسان على المنابر وأمام الكاميرات، ويغيب دورها في حث الحكومات على إبلاغ الجمهور بخصوص الأوبئة، وتعتيمها الإعلامي على حالات معينة مثل التسمم بالمياه كما حدث في البصرة وانتشار اللشمانيا في ديالى وغيرها، ولا نريد الدخول إلى ملف القرى والأرياف المهملة والتي تنتشر فيها الأمراض المعدية وتتزايد فيها معدلات الوفيات بسبب الفقر ونقص الخبرة الطبية.

أطباء بأخلاق عالية
ولا نضيع جهود الأطباء الذين يتعاملون مع مرضاهم بطريقة محترمة ويخففون عنهم هموهم، وهؤلاء يستحقون الإنصاف وكل الاحترام، ويتحملون استفزازات بعض الجهات المسلحة والسياسيين الحكوميين، ويحاولون العمل بشكل احترافي، وهذا يتطلب وجود حماية قانونية للحفاظ على حقوقهم دون المساس بحياتهم الشخصية، إضافةً لدعمهم بتحسين مهاراتهم وإشراكهم في تطوير خطط المستشفيات الحكومية.

المسؤولية الحقيقة
يبقى ملف الصحة قانونياً واجتماعيا عرضة للاتهامات والانتقادات وإلى أن يتم الاعتراف بوجود إشكالية يتحملها أطراف العلاقة الطبيب والحكومة والمريض والمنظمات الدولية يجدر أن لا يتم تلويث سمعة الخدمة الطبية باعتبارها إحدى أهم وأكثر الأدوار حساسية وإنسانية في المجتمع.
مدونات الجزيرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock