مدونات

أطباء يمارسون التجارة باسم الطب!

زعير سجود

تطلق كلمة (طب) في اللغة على الحذق في الأشياء والمهارة فيها، وتطلق على معنى الاصطلاح، يقال طببته: أي أصلحته، وتطلق على اللطف والسياسة، والطب علم وفن: علم يتحصل بالدراسة النظرية والعملية، وفن يتحصل بالممارسة والتجارب.

وفي ضوء المفهوم الأوسع للجودة والتّميز الأعمق في هذا الزمان فقد وضعت ميزات ينبغي للطبيب أن يتقنها كي يوصف بأنه طبيب، أهمها أن يسلك سلوكا مهذبا وأن تكون أخلاقه عالية وجيّدة، وأن يتحلى بالصبر، وضبط النفس، بالإضافة إلى أنه يجب أن يكون حسن السيرة والسلوك، وأن يصغي إلى ضميره النقي الذي هو إدراكه المرتبط بإرادة أعلى من إرادته، وهي الإرادة الإلهية -أي الشريعة الإلهية- التي يتمثل لها ليس قسرا بل محبة، وما ضميره إلا وعيه لإنسانيته.

ففي سنة 2100ق.م وضع “حمورابي” ملك بابل قواعد مشددة تحدد أجور الأطباء وتحمي المريض، إضافة إلى القوانين التي كانت تراعي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية معًا، وشريعته وضعت الطبيب أمام مسؤولياته، حيث هو يكون مسؤولاً عن أي ضرر يلحق بالمريض أثناء علاجه، أما لأجور الطّبيب فقد كان يراعى فيها الحالة الاقتصادية للمريض بحيث يدفع الفقير أقل مما يدفعه الغني.

وفي العصر اليوناني كان هناك قسم “أبقراط” الذي تدور بنوده حول المحافظة على حياة المريض في جميع الحالات، وعلى سلوك الطبيب وتحديد علاقته بزملائه ومرضاه. أما في زمن الدولة الإسلامية التي كانت منفتحة على العالم، فقد دُمجت المبادئ الأخلاقية الإسلامية بالأخلاق الطّيبة المأخوذة عن اليونانيين والمسيحية، ولقد تفاعل الدين الإسلامي بأخلاقياته السمحة مع القواعد الأخلاقية التي انتقلت إليه من الحضارات الأخرى، لتظهر قواعد مصبغة بروح الإسلام وقائمة على مراعاة حرمة المريض ومصلحته، يقول الإمام الشافعي رحمه اللّه: “لا أعلم بعد الحلال والحرام علما أنبل من الطب” ويقول النووي: “الحاصل أن المسلمين اتفقوا على أنّ الاشتغال بالعلم لوجه اللّه تعالى أفضل من الاشتغال بنوافل الصوم والتسبيح ونحو ذلك من نوافل عبادات البدن، وعن مكانة العاملين في الحقل الصحي يؤكد الشافعي هذه المكانة بقوله: “إنما العلم علمان: علم الدين وعلم الدنيا، فأما الذي هو علم الدين فهو الفقه، والعلم الذي للدنيا هو علم الطب، فلا تسكنن بلدا ليس فيه عالم يفتيك في أمر دينك ولا من ينبئك عن أمر بدنك”.

لكن الطبيب اليوم لم يعد مقدسا كما كان في الماضي، فهو جزء من المجتمع، ومسؤول عن سلوكه، بعد أن كانت أخطاؤه تنسب إلى أمور القضاء والقدر، وهو أيضا مسؤول عن نوعية الخدمات التي يقدمها أمام مجتمعه وأمام نقابته والدولة. مع احترامنا الكبير لمهنة الطب إلا أن بعض المنتمين لها مع الأسف لا يتصرفون بما تمليه عليهم هذه المهنة السامية من أخلاقيات، بحيث أصبح هناك فقدان ثقة بين المواطن والمستشفيات الحكومية سواء كانوا إدارة أو طاقما تمريضيا أو أطباء، فإن أغلبهم لا يتعاملون معاملة إنسانية مع المريض كإعطاء وصفات طبية صحيحة والقيام بالتحاليل الطبية السليمة ولكنهم يطالبونهم بالتوجه إلى عيادات خاصة، لدرجة أن بعض المرضى يتحملون عناء مرضهم ولا يذهبون إلى المستشفى الحكومي، بل ويوفروا من قوتهم اليومي ليذهبوا إلى العيادات الخاصة بالرغم من ارتفاع أجور كشف الطبيب والتي تتبعها أجور التحاليل، أما أسعار الأدوية فحدث ولا حرج لأنها مرتفعة جدا ولا تتناسب مع معظم رواتب التقاعد، كما أن معظم الأطباء أصحاب العيادات الخاصة يفرضون على المراجع نظام الجلسات الذي يتطلب من المريض تكرار مراجعته إلى الطبيب عدة مرات وفي كل مرة يدفع المراجع أجور جديدة ثمن الكشف..

يشعر المريض بالأسى خلال ساعات الانتظار الطويلة لدوره في الفحص ناهيك عن غياب أبسط مقومات الراحة حتى للناس الأصحاء، فما بالك بالمرضى؟ وتزداد خيبته اتساعا عندما يدخل غرفة الطبيب ولا يحس أن آلامه ومعاناته موضع اهتمام وتفهم، والأسوأ عندما يسمع عبارات فيها شيء من الاستخفاف بشكواه أو تلميح إلى أنه يبالغ أو يتوهم، فتزداد حالته سوءا خصوصا عندما يكون المريض يعاني من آلام مزمنة، ولا يعني بالضرورة أن الطبيب أو الطبيبة تنقصهما الخبرة أو العلم ولكن المشكلة هنا ترجع إلى الصفات الشخصية أكثر منها إلى التأهل العلمي.

فالتواضع مع المريض صفة مهمة، وهي لا تتعارض مع ثقة الطبيب بنفسه وعلمه وخبرته، كما أن ضغط العمل وضيق الوقت لا يجب أن يحول دون الاستماع إلى أسئلة المريض والإجابة عنها مهما بدت غير منطقية أحيانا. يقول الدكتور “إيريك توبول”، مدير معهد سكريبس لعلم التأويل ومستشار مجلة “صحة الرجال”: “لم يعد معيار الطبيب الجيد هو مقدار ما يعلم ويراكم من معارف”. بل إن الطبيب المثالي هو الأقدر على التواصل الإيجابي مع مرضاه، فكل مريض يذهب إلى الطبيب لسبب واحد وهو معاناته من شيء ما بجسده.

ويكون الشخص عليل الجسد هو أحوج ما يكون إلى طبيب يهون مصابه ويحسن إليه نفسيًا قبل أن يقدم له خدمة لصحة بدنه، فالطبيب الجيد هو الذي يزوّد المريض بتوصية محددة كأن يلجأ مثلا للأدوية أو الجراحة ويقدم له الخيارات المتاحة أمامه ويشرح له لماذا يعتقد أن هذا الحل أو ذاك هو الأفضل. ويهمس الدكتور “توبول” في أذن كل مريض أن الطبيب الذي يبدي للمريض أن ليس لديه وقت الوقت الكافي للاستماع إلى أسئلته هو طبيب سيئ ولا يمكن الوثوق به. وينصح المريض بأن يقطع علاقته بكل طبيب يكرر على مسامعه أن “هذه الطريقة الوحيدة لعلاج هذا الأمر أو حل هذه المشكلة الصحية”.

كلنا يدرك طبيعة الضغوط والمتاعب التي يعيشها من يعمل في المجال الطبي ولكن ذلك لا يبرر ما يواجهه بعضنا في تلك العيادات، من تعجل في عملية الكشف وعدم الاستماع الكافي إلى شكوى المريض وأوجاعه، ويعقب ذلك عادة إحالة عاجلة إلى إجراء فحوص وتحاليل حتى ولو لم يكن الأمر يتطلب ذلك، والغريب أنه يصر على إجراء التحاليل في مختبر بعينه ولا يقبل بتحليل يجري في مختبر آخر…؟ بالرغم من وجود مختبر بالقرب من عيادته معللا بأن هذا المخبر نتيجة تحاليله دقيقة ولا تقبل الشك بأعلى النسب. علما بأن هذا المختبر يجري التحاليل بمعدات قديمة، ناهيك عن أن بعض الأطباء يفتح مختبرا في عيادته وكل هذا الاستبداد على المواطن أمام مرأى ومسمع جهات الاختصاص.

المريض قليل الحيلة بات يشعر أن هناك شراكة بين الطبيب والصيدلي والمختبر والأشعة، وهذا الابتزاز يحدث من قبل من أقسم بالقسم الطبي الذي يشير إلى رعاية المريض حتى لو كان مفلسا لأن الإنسانية قبل كل شيء. ومن المؤسف أيضا أن ينحو الطب في بعض المستشفيات والمراكز منحى تجاريا لا يأخذ بعين الاعتبار مصلحة المريض، وإلا بماذا نفسر شيوع عمليات ربط أو تكميم المعدة في الآونة الأخيرة بغرض التخلص من السمنة، فالطب مهنة لها شرفها وتقاليدها ولا يليق أن يدخلها الطمع والرغبة في الإثراء، بتشجيع الأفراد على إجراء عمليات جراحية لا يحتاجونها بما فيها عمليات التجميل التي تحولت إلى تجارة رائجة ومربحة، وعمليات التوليد القيصرية التي انتشرت بكثرة، بحيث تضطر معظم النساء ذوات الدخل المحدود إلى بيع صيغتهن أو الاقتراض لإجرائها…

لذى لابد من تشريعات رادعة لضبط المتلاعبين بأرواح الناس، إضافة إلى تفعيل دور الرقابة تفعيلا إيجابيا بكل مدلولات الرقابة الصحية ووضع نصوص حازمة لضبط الصيدليات حتى يرتدع من تسول له نفسه بوصف هذه المهنة بالمرابحة من أجل حفنة المال. ونحمد الله أننا في زمن المادة لا زلنا نرى ونسمع عن قامات عالية من الأطباء على درجة عالية من المهنية والإنسانية. لقد لخص أحد الأطباء الأقدمين رؤية الطب ورسالته وهدفه في بضع كلمات: “حفظ الصحة إذا كانت موجودة، وردّها إذا كانت مفقودة”، وليت الأطباء وواضعي مناهج الطب استصحبوا هذا التعريف الجامع المانع.

مدونات الجزيرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock