مدونات

أخطاء جسيمة نرتكبها عند التعامل مع الدواء

كثيراً ما يقصد الواحد منا الصيدلية للحصول على دواء كان قد تم صرفه لشقيقه أو صديقه أو جاره وأدى ذلك الدواء بفضل الله تعالى إلى شفاء ذلك الصديق أو القريب من مرضه لمجرد ظهور أعراض شبيهة لتلك التي عالجها ذلك الدواء المقصود، هذا التصرف يعتبر من أكبر الأخطاء في التعامل مع الدواء ويمكن أن يعود بأضرار كبيرة جداً على من يقصد التداوي بهذه الطريقة، إذ ليس بالضرورة أن الأعراض المتشابهة التي تعتري الواحد منا تعني إصابته بنفس المرض كما أن هناك كثير من الأمراض تتشابه أعراضها لدرجة التطابق ولا يفرق بينها إلا الطبيب المختص، أضف إلى كل ذلك أنه وحتى وإن تطابق المرض فليس بالضرورة أيضاً أن يقوم الطبيب بصرف نفس الدواء لأشخاص مختلفين يعانون من نفس المرض.

يختلف نوع الدواء الموصوف لنفس المرض من مريض لآخر -وكذلك تختلف جرعته- حسب العمر والوزن والحالة الصحية وشدة المرض ووظائف الأعضاء وعوامل أخرى كثيرة يقع على عاتق الطبيب التحقق منها مستعيناً -في بعض الحالات- بالفحوصات المعملية أو صور الأشعة أو الموجات الصوتية أو غير ذلك أو كله، حسب ما تتطلبه كل حالة على حدى وبعد الاطلاع على تاريخ المرض والجوانب المحيطة بالمريض.

على سبيل المثال إذا كان لدينا مريضان يعانيان من نفس المرض وفي نفس العمر والوزن والأعراض نجد أنه يمكن أن يتم صرف دواء مختلف عن الآخر لكل منهما والسبب في ذلك أن أحد المريضين بالإضافة لمرضه يعاني من ضعف في قدرة الجهاز البولي والكليتين بينما الآخر لا يعاني من هذا الضعف فيقوم الطبيب باختيار دواء يتم التخلص منه عن طريق الكبد مثلاً للمريض الأول لتجنيبه الآثار الضارة إذا تناول الدواء الذي يتم طرحه عن طريق البول في حين يختار الدواء الذي يطرح عن طريق البول للمريض الثاني الذي لن يعاني في التخلص منه ومعلوم لنا أن تراكم الدواء بالجسم يتسبب في أضرار كبيرة وقاتلة.

أيضاً تختلف الجرعات لنفس المرض بحسب العوامل التي ذكرناها آنفاً ويمكننا أن نجد في مثال آخر أن الجرعة الموصوفة للمريض الأول أقل من تلك الموصوفة للمريض الثاني لنفس المرض لأن شدة المرض تختلف فلا يمكننا علاج مريض السكري الذي نعطي نتيجة فحصه تركيز 200 مليجرام عن ذلك الذي تظهر نتيجته 400 مليجرام بنفس الجرعة -هذا إذا قام الطبيب باختيار نفس الدواء لأنه يمكن ببساطة أن يختار دواءً آخر- كما تختلف جرعة المريض الذي يزن 50 كيلوجراماً عن المريض الذي يزن 80 كيلوجرام.

أمر آخر في غاية الأهمية وهو المدة الزمنية المقررة للعلاج والتي يجب أن تكون أمراً مقدساً لا بد من الإيفاء به لحصول الشفاء وهي شرط أساسي في العملية العلاجية لا تكتمل إلا به وتصبح كل المجهودات في سبيل البحث عن الشفاء من مقابلة الطبيب وفحوصات المعمل وشراء العلاج لا معنى لها، إذا كان المريض سيقطع العلاج المكتوب له أو يقوم بتناول بعضاً من علاجه ويتوقف عن إكماله بحجة أنه أصبح سليماً أو أي حجة أخرى.

لكل دواء مدة زمنية تم التوصل إليها وتحديدها بعد دراسات علمية دقيقة وتجارب مستفيضة وجهود علماء عكفوا ربما سنوات عديدة على اكتشاف الدواء المعين وحددوا طريقة استعماله ومدة استعماله وآثاره الجانبية وكل كبيرة وصغيرة عنه قبل أن يخرج الدواء إلى النور ويساهم في تخفيف آلام البشرية ومقاومة المرض فيصبح عدم الالتزام بطريقة استعماله ومدة جرعته كاملة أمر عبثي غير مسؤول وإهدار لجهود أولئك العلماء كما أنه إهدار لجهود المنظومة الصحية بأكملها من طبيب يشخص المرض ومعمل ينجز الفحوصات وصيدلي يقدم الدواء، كذلك فإن أي قطع للمدة المقررة بعدم إكمال العلاج الموصوف يمكن أن يقود إلى عدم شفاء المريض وحتى في حالات تحسن الحالة غالباً يكون ذلك التحسن مؤقتاً وعادةً ما ينتكس المريض لأسوأ من حالته المرضية الأولى.

وجه آخر من أضرار قطع العلاج في بعض أنواع الأدوية كالمضادات الحيوية وأدوية الملاريا على سبيل المثال إسهامه المباشر في نشوء سلالات من البكتريا والطفيليات مقاومة للدواء الذي لا يتم إكمال جرعته وفي هذه الحالة يكون الشخص الذي يقطع جرعته قد ارتكب جريمة في حق المجتمع بأكمله بمساهمته في تطور المرض ليصبح مقاوماً للدواء وليصبح صعب العلاج ولعلنا نلاحظ مراحل تطور علاج مرض الملاريا الذي كان يكفي لعلاجه شريط واحد من عقار (الكلوروكين) زهيد الثمن الذى أصبح غير مجدي في علاجه ليظهر عقار (أرتيميثير) والذي بدأت تنشأ سلالات من طفيل الملاريا مقاومة له بالفعل -مروراً لأدوية أخرى يتم تناولها على مدى أسبوعين وبأثمان غالية جداً ليست في متناول الجميع وقس على ذلك في أدوية علاج التيفويد والتهاب اللوزتين والالتهاب الرئوي وغيرها وما كل ذلك إلا بسبب الجرعات الغير مكتملة وقطع العلاج لمجرد التحسن!

خطأ آخر في نفس هذا السياق، استعمال البعض للدواء بالطريقة المريحة لهم وليس كما تم وصفه لهم، فتجد الواحد منا يستعمل الدواء المقرر له كل ثمانية ساعات مثلاً يستعمله مرتين في اليوم أو يقوم باستعمال الدواء المقرر له حبة يومياً تارةً في الصباح وتارةً أخرى في المساء أو لا يستعمله في يوم ليعود لاستعماله في اليوم الذي يليه أو يقوم بمضاعفة الجرعة ظناً منه أن ذلك يمكن أن يُسرِّع من العلاج، هذه الطريقة العشوائية في التعامل مع الدواء يمكن أن تؤدي بالإضافة إلى عدم حصول الشفاء، إلى تراكم الآثار الجانبية للدواء والإضرار بصحة المريض بدلاً من شفاءه. لكل دواء استعمالاته السليمة وحاجته المحددة وجرعته المعينة التي يشرف عليها الطبيب المختص وتوضح كل جوانبها إرشادات الصيدلي التي ينبغي الالتزام بها لينعم الجميع بالشفاء والصحة والعافية.

حاتم الدعاك
مدونات الجزيرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock