مدونات

السرطان.. تنهيدة أنثى

يبعث الله لنا المصائب، حسب مقاسات ظهورنا، وبأحجام قلوبنا، وحسب أوعية التحمل عندنا، لا توجد مصيبة تفوق صبرنا، كلها مصممة بدقة إلهية تعْلم مرونة تغلبنا عليها، وسرعة تجاوزها، يحدث أن يختل ميزان المعرفة في اللحظة نفسها، عند عتبة الصدمة، وبتوقيت الكارثة، حتى تُخيل لك النهاية في أسوأ صورة لها، فتكون البداية في صياغة مفهوم جديد للحياة لم تعرفه من قبل.

تَأخذ المرأة أنوثتها على محمل الاهتمام منذ معرفتها بأحمر الشفاه، وفور سقوطها عند أول خطوة وهي تنتعل حذاء والدتها، لحظة تزينها لدمية قماشية، تبدأ رحلتها في اكتشاف الأجساد والاحتفاء بكل تغيير فسيولوجي يطرأ عليها، تُسارع الزمن، وتُسابق العمر لتصل إلى التصنيف في قائمة تحتفي بجمالها وتقدر ميزة اختلافها عن الرجال.

عبر كل العصور، وفي كل الروايات التي سمعناها عن انتحار النساء، كانت الطريقة الوحيدة التي تجمعهم بإنهاء الحياة تناول السُم، لم أسمع عن امرأة شوهت جسدها قبل الموت، فهي تريد الرحيل بكامل عتادها الأنثوي، بجمالها حتى لو بعد ساعات وأيام ستكون وجبة لشعوب النمل هناك، لكن في بعض الأحيان للأمراض رأي آخر، وللأسقام وجهة نظر تجبرك على ملاعبة الحياة على طاولة التحديات، كسرطان الثدي مثلا.

بين لحظة اكتشاف المرض، توقف النَفس، الدخول في دوامة اليأس، رحلة الأشعة، استنشاق روائح الأدوية والمستشفيات، التفكير في الغد، القراءات الطبية التي استعمرت حاسوبك، السماع لتجارب مماثلة، قصص بين الألم والأمل، حربك مع الكيماوي، كلها جلسات يصعب على ذلك الجسد الضعيف تحملها، تصديقها أو حتى الاعتراف بها.

ضعيفة أمام تكومه في المشط، وهزيلة أمام تسربه كل مرة في شكل خصلات، إنه ذلك الذي يقال عنه تاج الأنثى، أول الراحلين عنها بسبب المرض، بعضهن تقسو فتحلقه، أما الصنف الآخر فتقسو عندما تنتظر سقوطه، اختيار الرموش تلك التي لا نجيد ارتداءها إلا بمساعدة مصففة الشعر، بتر الثدي لحظة الوقوف أمام نصف منهار، حروبنا في تنميق الظاهر فقط، حتى لا نموت بنهش الخلايا السرطانية لأجسادنا، ونهش السخرية لقلوبنا.

في هذه المرحلة سيسقط من يدك كل متشبث بصحتك، كل معجب بجسدك، وكل خائف من انتقال المرض، لضعف التوعية في مجتمعاتنا، يسقط البشر تماما كما يسقط شعرك، فالأول تسقطه المصلحة والنزوة، والثاني يسقطه الكمياوي، ستكونين بكامل قوتك وحيدة، مع أولئك الذين رأوا في مرضك جمال آخر، الذين أحبوا روحك، وأعجبوا بعقلك.

جميلة أنت لأن الله اختارك بين الملايين، يختبر صبرك وتحملك، ليغمرك باللون الوردي، لتسقطي وتنهضي، تحزني وتفرحي، تيأسي وتتحدي، لتدخلي دوامة الموت، وتعودي للحياة، لست مسترجلة، ولا متشبهة بالرجال، أنت امرأة جميلة في كل الحالات، يخون المرض أنوثتك فيعبث الخبيث بها لفترة قليلة، ومع ذلك تظلين تشعين بالحنان كأم، تقدمين الحب كزوجة، تحملين الشقاوة كابنة، وتزرعين الفرح كأخت، ترسمين الابتسامة كصديقة، تقدمين المساعدة كزميلة، كل هذه الصفات صدقيني لا يقربها المرض، ولا يغيرها السرطان، هذه هي كنوز الإناث لا تضاريس الأجساد المتفق عليها في مجتمعات تحت مستوى الحياة.

زدروني سومية
مدونات الجزيرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock