مدونات

مذكرات طبيب تائب

سنبدأ في استقبال الاتصالات

ألو.. السلام عليكم..

وعليكم السلام تفضلي أختي الدكتور يسمعك

يا دكتور أنا أشعر بألم في الظهر من أسبوعين و لا أستطيع النوم من الألم

الدكتور حسناً أختي أحضري ورقة وقلم واكتبي اسم هذا الدواء و استعمليه مرتين في اليوم اكتبي إم او بي إلخ. وإذا لم يزول الألم يا دكتور؟

الدكتور حينها لابد أن تأتين إلى عيادتي في شارع الـ أمام بناية الـ بجوار مطعم الـ نفتح كل يوم ما عدا الجمعة من الساعة 4 إلى 11 م
شكرا يا دكتور

ونحن أيضا نشكر الدكتور على حرصه الزائف على وقت المريضة أكثر من حرصه على صحتها

فبدل أن يستمع إلى القصة المرضية بتفاصيلها ثم يقوم بالفحص والمعاينة ثم يطلب لها الفحوص اللازمة لتأكيد التشخيص ثم يصرف لها العلاج، وما سبق هي خطوات الطب الإكلينيكي لعلاج أي حالة.. قام باختصار كل هذا بالقفز مباشرة إلى الوصفة الطبية التي أغلب أظن أنها مسكنات تخفف العرض ولا تذهب المرض.

الحوار السابق ليس حوارا وهميا أو ضربا من الخيال بل هو حوار يتكرر على كثير من وسائل الإعلام مؤخرا سواء على القنوات التلفزيونية التي قد تخصصت بمجملها للصحة أو على كل إذاعة وقناة و التي لاتخلو طبعا من برنامج طبي ومع اختلاف مسميات البرامج إلا أن حجر الزاوية فيها والقاسم المشترك هو سعادة الطبيب الذي يجيب على استفسارات المتصلين المرضى.

إن أهداف هذه البرامج في الأصل ينبغي أن تكون توعوية تثقيفية لرفع مستوى الوعي الصحي لدى الجمهور لكن المتابع الجيد لهذه البرامج يدرك أن هناك انحرافاً قد طرأ على مسارها ، أو ربما منذ نشأتها.

فأصبحت بعض تلك البرامج تروج للطبيب نفسه – كمنتج تجاري – ولا تروج علمه فلا يخلو لقاء من جملة : ( نرجو من المتصل زيارتنا في العيادة الخاصة ) أو كما يفعل البعض الآخر في وضع إعلان للمستشفى التي يعمل بها في خلفية الاستديو ، حتى لا يتعب نفسه بإعادة التوصيف!

هناك مستشفيات قد وطدت علاقتها مع بعض القنوات، فحتى تسمح لاستشاريها من الظهور في ذلك البرنامج الأسبوعي، لابد من القناة أن تعرض إعلاناً مخفضاَ للمستشفى قبل البرنامج وبعده وأثناءه أحياناً.

لا ننكر أن التعاون بين القطاع الطبي الخاص وبين وسائل الإعلام من أجل إيصال رسالة صحية سليمة ،من الأمور المحمودة و التي يؤيدها الجميع، لكن أن تحوي تلك البرامج رسائل مبطنة أحياناً وظاهرة غالباً فهذا ما نمقته. فهذا العصر بلا جدال هو عصر الإعلام.

الرسالة الصحية المرئية تغني عن ألف مقالة، وأصبح التلفاز أو ما يسميه النحويون بـ”الرائي” متربعاً على عرش وسائل الإعلام من ناحية سعة الانتشار ومدى التأثير، وهناك بعض الأطباء أضحوا مشهورين و ليس في رصيدهم سوى قائمة من الوسائل الإعلامية التي ظهروا فيها – بغض النظر عن الشهادات أو عدد الحالات التي نجح في علاجها – !

فحب الظهور يقصم الظهور، وكم من أطباء أعلام لم يظهروا في الإعلام، ودنيا الإعلام تقلب الحقائقَ، وتظهر العلقم حلواً رائقاً.

د.عبدالرحمن باوزير

مدونات الجزيرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock