مدونات

الطب الممنوع

محمد عصام الغائب

“ما شاء الله عنك” بتلك الجملة أو شبيهاتها عادة ما يقابل جوابي على سؤال ” ماذا تدرس؟”..

فكرت كثيراً بنظرات الإعجاب أو حتى الفخر التي رمقني بها المقربون مني لمجرد أنني أدرس الطب، أفعلا نستحق كطلبة في هذا الفرع أو كأطباء وخريجين منه كل ذلك الإعجاب..

كيف لا.. وهي المهنة النبيلة التي قيل عنها “المهنة الوحيدة التي تهدف إلى إنهاء سبب وجودها” فالطبيب بكل الثقافات والأعراف هو من يعمل جاهدا على تقديم المساعدة لمرضاه على أكمل وجه استناداً للعلم الذي درس والعمل على إنهاء معاناة الأشخاص من حوله.. ولكن مهلاً!

ماذا عن طبيب لا ينهي المعاناة بل ينهي الحياة بأكملها؟.. ينهي حيوات وقصص بالمئات يومياً ولأكثر من خمس سنوات!

ليس ذلك فقط بل ماذا لو علمت أن لهذا الطبيب أنصار يتخذونه قدوةً ويزينون صفحاتهم الافتراضية المقرفة بعبارة ” القائد والطبيب الأول”. لا تستغرب عزيزي القارئ وأكمل القصة..

شخصياً لست ممن يحبذ الدخول في مهاترات التواصل الاجتماعي التي تفتقر للاحترام، ولكن أن تستيقظ صباحاً على صورة الطبيب القاتل وفوقها عبارات المدح المقززة التي تعكر صفو يومك الذي لم يبدأ بعد؛ سيدفعك كما دفعني للدخول وإبداء استيائي من ذاك المنشور الذي لا يمت لمواضيع المجموعة العلمية بصلة.. ولا حتى للإنسانية بلا شك!

بغض النظر أن استنكاري دفع بي خارج المجموعة. الشيء الذي لا يهمني بتاتاً ولكن السؤال كيف لأولئك الطلاب الذي من المفترض أن يغدوا أطباءً أن يعيشوا هذا الفصام في حياتهم..

قد يظنّ البعض أنها مجرد ظواهر افتراضية تزول بعد تسجيل خروجهم من تلك المواقع.. ولكن المشكلة أكبر من ذلك بكثير..

أتذكر جيداً دموع أختي وصوتها المبحوح وهي تصف اعتداء “أطباء المستقبل” على زملائهم في مقاعد الدراسة.. وقولها “كلشي عملوه كانو ماسكين ورود وهتفو حرية … لك يا الله المراييل البيضا تعبّت بقع حمرة.. لأ وفي طلاب عم يتفرجو ولا كإنو في شي” تمنعها العبرة عن مواصلة الحديث وتخنقني سراً..

كان ذاك اليوم نقطة تحول لنظرتي تجاه هذا الفرع الذي يضم طلاب كهؤلاء، لم يتوقف هذا عند الضرب فقط بل تجاوزها أحياناً للقتل.. كالرمي من الطابق السادس للمدينة الجامعية في دمشق أو التسبب باعتقال ينتهي بموت تحت التعذيب مثلاً!

نعم كل ذلك كان يحدث على يد زملاء المستقبل كنتيجة طبيعية للوقوف إلى جانب قدوتهم، طبيب الوطن الذي خانه لسانه في إحدى المقابلات التلفزيونية قائلاً بأن قطع الرأس لإنقاذ مريض من الورم لا يجعل من الطبيب مجرماً.. قد تكون الرؤوس الكثيرة التي قطعت بأمر من “الدكتور” هي من جعلت ذلك الأمر ممكناً..

يقول جان جاك روسو “إن المعرفة لا تولد الأخلاق والأفراد المثقفون ليسوا بالضرورة أناساً صالحين”.

لذلك وبلا شك دراسة أحدهم للطب لا تعطيه إلا شهادة طبيب “معرفياً” أما الشق الإنساني الذي أكسب هذه المهنة قيمتها فيعود لشخصه، ولن يسعد الكثيرين ممن يدرسون هذا الفرع “وأنا منهم” أن نصنف مع أولئك الأشخاص في نفس الخانة..

رسالتي لكل من يقرأ هذا تأكد أن ليس كل من افتتح اسمه بحرف الدال يستحق إعجابك وفخرك.. من يعلم قد يكون هو ذاته من استبدل كتبه بهراوى ينزل بها على أجساد زملائه الذين كانت تهمتهم الوحيدة.. ممارسة الطب الحقيقي.. الشيء الممنوع في وطني.

مدونات الجزيرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock